<=

والبراهين الدامغة، فحياك الله، وحيا ذهنك الوقاد، وفضلك الجم.

وامهات مباحث الرسالة ثلاث:

(1) طلاق الثلاث.

(2) الحلف بالطلاق والعتاق.

(3) الاشهاد على الطلاق.

وكل واحدة من هذه المسائل قد وفيتها حقها من البحث، وفتحت فيها باب الاجتهاد الصحيح على قواعد الفن، ومدارك الاستنباط القويم، من الكتاب السنة، فانتهى بك السير على تلك المناهج القويمة إلى مصاف الصواب، وروح الحقيقة، وجوهر الحكم الإلهي، وفرض الشريعة الاسلامية، وقد وافقت آراؤك السديدة في تلك المسائل ما اتفقت عليه الامامية من صدر الاسلام الى اليوم، ولم يختلف منهم اثنان، حتى أصبحت عندهم من الضروريات.

كما اتفقوا على عدم وجوب الاشهاد على الرجعة، مع اتفاقهم على لزومه في الطلاق، بل الطلاق باطل عندهم بدونه.

وقد ترجح عندك قول من يقول بوجوب الاشهاد فيهما معا، فقلت (في صفحة 120): وذهبت الشيعة الى وجوب الاشهاد في الطلاق، وأنه ركن من أركانه كما في كتاب (شرائع الاسلام) ولم يوجبوه في الرجعة، والتفريق بينهما غريب ولا دليل عليه، انتهى.

وفي كلامك هذا ـ أيدك الله ـ نظر، أستمحيك السماح في بيانه، وهو: إن من الغريب ـ حسب قواعد الفن ـ مطالبة النافي بالدليل والأصل معه، وإنما يحتاج المثبت الى الدليل، ولعلك ـ ثبتك الله ـ تقول: قد قام الدليل عليه، وهو ظاهر الآية على ما ذكرته في صفحة (118) حيث تقول: والظاهر من سياق الآية إن قوله تعالى (وأشهدوا ) راجع إلى الطلاق وإلى الرجعة معا... إلى آخر ما ذكرت.

وكأنك ـ أنار الله برهانك ـ لم تمعن النظر هنا في الآيات الكريمة كما هي عادتك من الامعان في غير هذا المقام، وإلا لما كان يخفى عليك أن السورة الشريفة مسوقة لبيان خصوص الطلاق وأحكامه، حتى أنها قد سميت بسورة الطلاق، وابتدأ الكلام في صدرها بقوله تعالى: (إذا طلقتم النساء) ثم ذكر لزوم وقوع الطلاق في صدر العدة، أي لا يكون في طهر المواقعة ولا في الحيض، ولزوم احصاء العدة، وعدم اخراجهن من البيوت، ثم استطرد إلى ذكر الرجعة من خلال بيان أحكام الطلاق، حيث قال عز شأنه: (فاذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف) أي اذا أشرفن على الخروج من العدة فلكم امساكهن بالرجعة

=>


الصفحة 284

____________

<=

أو تركهن على المفارقة، ثم عاد إلى تتمة أحكام الطلاق، فقال: (وأشهدوا ذوي عدل منكم) أي في الطلاق الذي سبق الكلام لبيان أحكامه.

ويستهجن عوده إلى الرجعة التي لم تذكر إلا تبعاً واستطراداً، ألا ترى لو قال القائل: اذا جاءك العالم وجب عليك احترامه وإكرامه، وأن تستقبله سواء جاء وحده أو مع خادمه أو رفيقه، ويجب [ عليك ] المشايعة وحسن الموادعة، فإنك لا تفهم من هذا الكلام إلا وجوب المشايعة والموادعة للعالم لا له ولخادمه ورفيقه، وإن تاخرا عنه. وهذا لعمري ـ حسب القواعد العربية والذوق السليم ـ جلي واضح، لم يكن ليخفى عليك ـ وأنت خريت العربية ـ لولا الغفلة، والغفلات تعرض للأريب.

هذا من حيث لفظ الدليل وسياق الاية الكريمة، وهنالك ما هو أدق وأحق بالاعتبار، من حيث الحكمة الشرعية، والفلسفة الاسلامية، وشموخ مقامها، وبعد نظرها في أحكامها، وهو: أن من المعلوم أنه ما من حلال أبغض إلى الله سبحانه من الطلاق، ودين الاسلام كما تعلمون جمعي اجتماعي، لا يرغب في أي نوع من أنواع الفرقة، ولا سيما في العائلة والاسرة، وعلى الأخص في الزوجية بعد ما أفضى كل منهما إلى اللآخر بما أفضى. فالشارع ـ بحكمته العالية ـ يريد تقليل وقوع الطلاق والفرقة، فكثر قيوده وشروطه على القاعدة المعروفة من أن الشيء اذا كثرت قيوده عز، أو قل وجوده، فاعتبر الشاهدين العدلين للضبط أولاً، وللتأخير والاناءة ثانياً، وعسى إلى أن يحضر الشاهدان أو يحضر الزوجان أو أحدهما عندها يحصل الندم، ويعودان إلى الالفة كما اشير اليه بقوله تعالى: (لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً) وهذه حكمة عميقة في اعتبار الشاهدين لا شك أنها ملحوظة للشارع الحكيم، مضافاً إلى الفوائد الآخر:

وهذا كله بعكس قضية الرجوع فان الشارع يريد التعجيل به، ولعل للتأخير آفات، فلم يوجب في الرجعة أي شرط من الشروط تصح عندنا معشر الامامية بكل ما دل عليه من قول أو فعل أو اشارة.

ولا يشترط فيها صيغة خاصة كما يشترط في الطلاق، كل ذلك تسهيلاً لوقوع هذا الأمر المحبوب للشارع الرحيم بعباده، والرغبة الأكيدة في إلفتهم وعدم تفرقهم. وكيف لا يكفي في الرجعة حتى الاشارة ولمسها ووضع يده عليها بقصد الرجوع، وهي ـ أي المطلقة الرجعية ـ عندنا معشر الإمامية لا تزال زوجة إلى أن تخرج من العدة، ولذا ترثه ويرثها، وتغسله ويغسلها، وتجب عليه نفقتها، ولا يجوز أن يتزوج باختها وبالخامسة ؟ إلى غير ذلك من أحكام الزوجية.

=>


الصفحة 285

____________

<=

فهل في هذه كلها مقنع لك في صحة ما ذهبت اليه الإمامية من عدم وجوب الاشهاد في الرجعة بخلاف الطلاق ؟ فإن استصوبته حمدنا الله وشكرناك، وإلا فانا مستعد للنظر في ملاحظاتك وتلقيها بكل ارتياح، وما الغرض إلا إصابة الحقيقة، واتباع الحق أينما كان، ونبذ التقليد الأجوف والعصبية العمياء، أعاذنا الله وإياكم منها، وسدد خطواتنا عن الخطأ والخطيئات إن شاء الله، ونسأله تعالى أن يوفقكم لأمثال هذه الآثار الخالدة، والأثريات اللامعة، والمآثر الناصة، (والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً) ولكم في الختام أسنى تحية وسلام من:

محمد الحسين آل كاشف الغطاء

ملاحظة: ومن جملة المسائل التي أجدت فيها البحث والنظر: بطلان طلاق الحائض، وقد غربلت حديث ابن عمر بغربال الدقيق، وهذه الفتوى أيضاً مما اتفقت عليه الامامية، وهي: بطلان طلاق الحائض إلا في موارد استثنائية معدودة.

هذا هو نص كتاب الاستاذ شيخ الشريعة، لم أحذف منه شيئاً إلا كلمة خاصة لا علاقة لها بالموضوع، وإنما هي عن تفضله باهداء بعض كتبه الي، وساحاول أن ابين وجهة نظري، وأناقش استاذي فيما رآه وأختاره بما يصل اليه جهدي في عدد قادم إن شاء الله.

أحمد محمد شاكر القاضي الشرعي

هذا تمام ما نشره فضيلة القاضي في ذلك العدد، ثم تعقبه في عدد (159) وعدد (160) بمقالين أسهب فيهما بعض الاسهاب، مما دل على طول باع، وسعة اطلاع، واستفراغ وسع، في تأييد نظريته، وتقوية حجته، وكتبنا الجواب عنهما، وأعرضنا عن ذكر تلك المساجلات هنا، خوف الاطالة والخروج عن وضع هذه الرسالة التي أخذنا على أنفسنا فيها بالايجاز، فمن أراد الوقوف عليها فليراجع أعداد مجلة (الرسالة) الغراء يجد في مجموعات تلك المراجعات فوائد جمة، وقواعد لعلها في الفقه مهمة. وإن الحقيقة منتهى القصد. «منه تقدس سره».

الصفحة 286

الخلع والمباراة

لا ينبعث الزوجان إلى قطع علاقة الزوجية بينهما إلا عن كراهة أحدهما للآخر، أو كراهة كل منهما للآخر، وهذا هو سبب الفرقة غالباً.

فإن كانت الكراهة من الزوج فقط فالطلاق بيده، يتخلص به منها إذا أراد، وإن كانت الكراهة منها خاصة كان لها أن تبذل لزوجها من المال ما تفتدي به نفسها، سواء كان بمقدار ما دفع لها أو أكثر، فيطلقها على ما بذلت، وهذا هو الخلع، فيقول: فلانة طالق على ما بذلت، فهي مختلعة.

ويشترط فيه جميع شرائط الطلاق، وإضافة كون الكراهة منها، وكونها كراهة شديدة كما يشير اليه قوله تعالى: (فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها)(1) .

وتفسيره في أخبار أهل البيت: أن تقول لزوجها: لا أبر لك قسماً، ولا اقيم حدود الله فيك، ولا أغتسل لك من جنابة، ولاوطئن فراشك، وأدخلن بيتك من تكره(2) .

ومعلوم أن المراد بهذا ظهور الكراهة الشديدة، وعدم إمكان الالتئام، لا خصوص تلك الألفاظ.

وإن كانت الكراهة منهما معا فهي المباراة، ويعتبر فيها أيضا جميع شرائط الطلاق، ولا يحل له أن يأخذ أكثر مما أعطاها، فيقول لها: بارأِتك على كذا فأنت طالق.

____________

(1) البقرة 2: 229.

(2) انظر: تفسير العياشي 1: 117/367، تفسير القمي 1:75، مجمع البيان في تفسير القران 1: 329.


الصفحة 287

والطلاق في الخلع والمباراة بائن لا رجوع للزوج فيه، نعم لها أن ترجع في البذل، فيجوز له الرجوع حينئذ ما دامت في العدة.

الظهار والايلاء واللعان

هي من أسباب تحريم الزوجة أيضا في الجملة، وبشرائط مخصوصة مذكورة في كتب الفقه، لم نذكرها لندرة وقوعها.

الصفحة 288

الفرائض والمواريث

الإرث: عبارة عن انتقال مال أو حق من مالكه عند موته إلى آخر، لعلاقة بينهما من نسب أو سبب. فالحي، القريب وارث، والميت موروث، والاستحقاق إرث، والنسب هو تولد شخص من اخر أو تولدهما من ثالث.

والوارث إن عين الله سبحانه حقه في كتابه الكريم باحد الكسور التسعة المعروفة فهو ممن يرث بالفرض، وإلا فيرث بالقرابة.

والفروض المنصوصة بالكتاب الكريم ستة: نصف، وهو للزوج مع عدم الولد، وللبنت مع عدمه، وللأخت كذلك.

ونصفه، وهو الربع للزوج مع الولد، وللزوجة مع عدمه.

ونصفه، وهو الثمن للزوجة مع الولد.

والثلث، وهو للأم مع عدم الولد، وللمتعدد من كلالتها.

وضعفه، الثلثان للبنتين، فما زاد مع عدم الذكر المساوي، وللاختين كذلك للأب أو الأبوين.

ونصفه، وهو السدس لكل واحد من الأبوين مع الولد، وللأم مع الحاجب وهم الاخوة، وللواحد من كلالتها ذكرا كان أو انثى.

وما عدا هؤلاء فيرثون بالقرابة (للذكرمثل حظ الأنثيين)(1) في جميع طبقات الورثة وهي ثلاث: الأبوان والأبناء وإن نزلوا، ثم الأجداد وإن علوا والاخوة وأن نزلوا، ثم الأعمام والأخوال وهم اولو الأرحام، وليس فيهم ذو فرض أصلاً.

ثم إن أرباب الفروض إما أن تساوي فرائضهم المال كأبوين وبنتين

____________

(1) النساء 4: 11.


الصفحة 289

«ثلث وثلثين» أو تزيد كأبوين وبنتين وزوج، فتعول الفريضة، أي زادت على التركة بربع أو نقصت عنها بربع، أو تنقص كاخت وزوجة، ففضل من التركة بعد الفريضة ربع. فالأولى مسألة العول، والثانية مسألة التعصيب.

وليس في جميع مسائل الارث خلاف يعتد به بين الإمامية وجمهور علماء السنة، إلا في هاتين المسألتين، فقد تواتر عند الشيعة عن أئمة أهل البيت سلام الله عليهم أنه: لا عول ولا تعصيب(1) .

وهو أيضاً مذهب جماعة من كبراء الصحابة، وقد اشتهر عن ابن عباس رضي الله عنه: أن الذي أحصى رمل عالج ليعلم أن الفريضة لا تعول(2) .

وأن الزائد يرد لذوي الفروض على نسبة سهامهم، والعصبة بفيها التراب، فلو اجتمع بنت وأبوان من الأولى، وأخ وعم من الثانية والثالثة، فللبنت النصف، ولكل من الأبوين السدس، ويفضل السدس من المال، يرد عندنا على البنت والأبوين بنسبة سهامهم، وغيرنا من فقهاء المسلمين يورثونه الأخ والعم، وهم العصبة.

نعم، لا رد عندنا على زوج أو زوجة، كم لا نقص عليهما، أما اذا عالت الفريضة وزادت على المال ـ كالمثال المتقدم ـ فالنقص يدخل على البنت أو البنات، والاخت والأخوات، دون الزوج والزوجة وغيرهما.

والضابطة: إن كل ما أنزله الله من فرض إلى فرض فلا يدخله النقص، ومن لم يكن له إلا فرض واحد كان عليه النقص، وله الرد. أما الأب ففي دخول النقص عليه وعدمه خلاف، أما جمهور فقهاء المسلمين فيدخلون النقص على الجميع.

____________

(1) انظر: علل الشرائع: 568/2، عيون أخبار الامام الرضا عليه السلام 2:5 2 1.

(2) علل الشرائع: 568/3.


الصفحة 290

وللامامية على نفي العول والتعصيب أدلة كثيرة من الكتاب والسنة مدوّنة في مواضعها من الكتب المبسوطة.

ومما انفردوا به من أحكام المواريث: الحبوة للولد الأكبر، فإنهم يخصونه بثياب أبيه، وملابسه، ومصحفه، وخاتمه، زائداً على حصته من الميراث، على تفاصيل وشروط مذكورة في بابها.

وانفردوا أيضاً بحرمان الزوجة من العقار، ورقبة الأرض عيناً وقيمة، ومن الأشجار والأبنية عيناً لا قيمة. فتعطى الثمن أو الربع من قيمة تلك الأعيان. كل ذلك لأخبار وردت عن أئمتهم سلام الله عليهم، والأئمة يروونها عن جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله.

هذه مهمات المسائل الخلافية في الارث، وما عدا ذلك فالخلاف على قلته في بعض المسائل هو كالخلاف بين فقهاء الجمهور أنفسهم، وكاختلاف فقهاء الإمامية فيما بينهم.

الصفحة 291

الوقوف والهبات والصدقات

المال الذي هو ملك لك وتريد أن تخرجه عن ملكيتك، فإما أن يكون إخراجه ليس عن ملكك فقط بل عن مطلق الملكية، بمعنى أنك تجعله غير صالح للملكية أصلاً، فيكون تحريراً، وذلك كالعبد تعتقه فيكون حراً، وكالدار أو الأرض تفكها من الملكية فتجعلها معبداً أو مشهداً. وهذا القسم لا يصلح أن يعود الى الملكية أبداً، مهما عرضت العوارض، واختلفت الطوارئ.

وإما أن يكون إخراجه لا عن مطلق الملكية بل عن ملكك إلى ملك غيرك فقط، وحينئذ فاما أن يكون ذلك بعوض مع التراضي في عقد لفظي، أو ما يقوم مقامه، فتلك عقود المعاوضات كالبيع، والبيع الوفائي، والصلح وأمثالها.

وإما أن يكون بغير عوض مالي، فإن كان بقصد الأجر والمثوبة ولوجه الله فهو الصدقة بالمعنى الأعم، فإن كان المال مما يبقى مدة معتداً بها، وقصد المتصدق بقاء عينه، فحبس العين وأطلق المنفعة، فهذا هو (الوقف).

وإن كان المال مما لا يبقى، أو لم يشترط المتصدّق بقاءه فهو (الصدقة) بالمعنى الأخص.

وإن كان التمليك لا بقصد الأجر والمثوبة، بل تمليك مجاني محض، فهو (الهبة) فإن اشترط فيها مقابلتها بهبة في (الهبة المعوضة) كما لو قال: وهبتك الثوب بشرط أن تهبني الكتاب، فقال: قبلت. وهي لازمة، لا يجوز لأحدهما الرجوع بهبته إلا إذا تراضيا على التفاسخ والتقايل، وإلا فهي (الهبة الجائزة).

الصفحة 292

ولا يصح شيء من أنواع الهبات إلا بالقبض، ويجوز الرجوع في الهبات الجائزة حتى بعد القبض، إلا إذا كانت لذي رحم، وزوج أو زوجة، أو بعد التلف.

أما الصدقات، فلا يجوز الرجوع في شيء منها بعد القبض، ولا تصح أيضاً إلا بالقبض.

وإذا أجرى الواقف صيغة الوقف، وهي قوله: وقفت هذه الدار ـ مثلاً ـ قربة إلى الله تعالى، ثم أقبضه المتولي أو الموقوف عليهم، أو قبضه هو بنية الوقف، إذا كان قد جعل التولية لنفسه فحينئذ لا يجوز الرجوع فيه أصلاً، ولا بيعه، ولا قسمته، سواء كان وقف ذرية وهو (الوقف الخاص) أو وقف جهة وهو (الوقف العام) كالوقف على الفقراء، والغرباء، والمدارس، وأمثالها.

نعم، قد يصح البيع في موارد استثنائية تلجى إليها الضرورة المحرجة، يجمعها خراب الوقف خراباً لا ينتفع به منفعة معتداً بها، أو خوف أن يبلغ خرابه إلى تلك المرتبة، أو وقوع الخلاف بين أربابه بحيث يخشى أن يؤدي إلى تلف الأموال أو النفوس أو هتك الأعراض.

ومع ذلك كله لا يجوز بيع الوقف بحال من الأحوال، ولا قسمته إلا بعد عرض المورد الشخصي على الحاكم الشرعي، وإحاطته بالموضوع من جميع جهاته، وصدور حكمه بالبيع أو القسمة لحصول المسوغ الشرعي، وبدون ذلك لا يجوز.

وقد تساهل الناس في أمر الوقف، وتوسعوا في بيعه وإخراجه عن الوقفية توسعاً أخرجهم عن الموازين الشرعية، والقوانين المرعية، والله من وراء القصد، وهو اللطيف الخبير.

هذا كله على طريقة المشهور، ولنا تحقيق ونظر آخر في الوقف لا مجال له هنا.

الصفحة 293

القضاء والحكم

لولاية القضاء ونفوذ الحكم في فصل الحكومات بين الناس منزلة رفيعة، ومقام منيع، وهي عند الإمامية شجن من دوحة النبوة والإمامة، ومرتبة من الرئاسة العامة، وخلافة الله في الأرضين (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالعدل)(1) (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلّوا تسليماً)(2) .

كيف لا، والقضاة والحكام أمناء الله على النواميس الثلاثة: النفوس، والأعراض، والأموال. ولذا كان خطره عظيماً، وعثرته لا تقال، وفي الأحاديث من تهويل أمره ما تخف عنده الجبال، مثل قوله عليه السلام: القاضي على شفير جهنم، ولسان القاضي بين جمرتين من نار»(3) .

«يا شريح قد جلست مجلساً لا يجلسه إلا نبي، أو وصي نبي، أو شقي»(4) .

وفي الحديث النبوي: «من جعل قاضياً فقد ذبح بغير سكين»(5) .

إلى كثير من نظائرها.

والحكم الذي يستخرجه الفقيه ويستنبطه من الأدلة إن كان على

____________

(1) سورة ص 38: 26.

(2) النساء 4: 65.

(3) التهذيب 6: 292/808.

(4) الكافي 7: 456/2، الفقيه 3:322315، المقنع: 32 1.

(5) المقنعة: 721، سنن ابي داود 3: 298/3571، سنن الترمذي3: 614/1325، سنن ابن ماجة 2: 84/2308، مسند أحمد 2: 230.


الصفحة 294

موضوع كلي فهو (الفتوى) مثل: إن مال الغير لا يجوز التصرف فيه إلا بإذن مالكه، وإن وطء الزوجة حلال ووطء الأجنبية حرام...

وإن كان على موضوع جزئي فهو (القضاء والحكومة) مثل: إن هذه زوجة، وتلك أجنبية، وهذا مال زيد.

وكل منهما من وظائف المجتهد العادل، الحائز [ على ] منصب النيابة العامة عن الإمام، سوى أن القضاء ـ الذي هو في الحقيقة عبارة عن تشخيص الموضوعات مع المرافعة والخصومة أو بدونها، كالحكم بالهلال، والوقف، والنسب، ونحوها ـ يحتاج إلى لطف قريحة، وقوة حدس، وعبقرية ذكاء، وحدة ذهن، أكثر مما تحتاجه الفتوى واستنباط الأحكام الكلية بكثير، ولو تصدى له غير الحائز لتلك الصفات كان ضرره أكبر من نفعه، وخطأه أكثر من صوابه.

أما تصدي غير المجتهد العادل ـ الذي له أهلية الفتوى ـ فهو عندنا معشر الإمامية من أعظم المحرمات، وأفظع الكبائر، بل هو على حد الكفر بالله العظيم، بل رأينا أعاظم علماء الإمامية من أساتيذنا الأعلام يتورعون من الحكم، ويفصلون الحكومات غالباً بالصلح، ونحن لا نزال غالباً على هذه الوتيرة اقتداء بسلفنا الصالح.

ثم أن امهات أسباب الحكم والخصومات والحقوق ثلاثة: الاقرار، البينة، اليمين. والبينة هي الشاهدان العادلان، وإذا تعارضت البينتان ـ أو البينات ـ فخلاف عظيم في تقديم بينة الداخل والخارج، أو الرجوع إلى المرجحات.

وقد أفرد الكثير من فقهائنا للقضاء مؤلفات مستقلة في غاية البسط والإحاطة، سوى ما دونوه في الكتب المشتملة على تمام أبواب الفقه، ولا يسعنا بأن نأتي بأقل قليل منه، فضلاً عن الكثير، وقد ذكرنا جملة صالحة من


الصفحة 295

هذه المباحث في الجزء الرابع من (تحرير المجلة) فليرجع إليه من شاء.

وإذا حكم الحاكم الجامع للشرائط المتقدمة فالراد عليه، والمتخلف عن اتباع حكمه راد على الله تعالى، ولا يجوز لغيره بعد حكمه أن ينظر في تلك الدعوى. نعم له أن يعيد النظر فيها بنفسه، فاذا تبينّ له الخلل نقض حكمه بالضرورة.

الصفحة 296

الصيد والذباحة

الأصل في الحيوان مطلقاً عند الإمامية حرمة أكله ونجاسته بالموت إذا كانت له عروق يشخب دمها عند القطع، وهو المعبر عنه عند الفقهاء بذي النفس السائلة.

ثم إن الحيوان قسمان: نجس العين ذاتاً، وهو ما لا يمكن أن يطهر أبدا، كالكلب والخنزير، وطاهر العين، وهو ما عدا ذلك.

والأول لا تفارقه النجاسة، وحرمة الأكل حياً وميتاً، مذكى أو غير مذكى. والثاني إذا مات بغير الذكاة الشرعية فهو نجس العين، حرام الأكل

مطلقاً، طيراً كان أو غيره، وحشياً أو أهلياً، ذا نفس أو غير ذي نفس، أما إذا مات بالتذكية فهو طاهر العين مطلقاً كما كان في حياته.

ثم إن كان من السباع أو الوحوش فهو حرام الأكل، وإن كان طاهراً، وإلا فهو حلال الأكل أيضاً.

وتذكية ذي النفس تحصل شرعاً بأمرين:

الأول: الصيد، ولا يحل منه إلا ما كان بأحد أمرين: الكلب المعلم الذي ينزجر إذا زجر، ويأتمر إذا أمر، ولا يعتاد أكل صيده، ويكون الرامي مسلماً ويسمي عند إرساله، ولا يغيب عن عين مرسله.

أو السهم، ويدخل فيه: السيف، والرمح، والمعراض إذا خرق، وكل نصل من حديد، بل حتى البندقية إذا خرقت ـ من حديد كانت أو غيره ـ.

ويلزم أن يكون الرامي مسلماً، وأن يسمي. فلو قتل الكلب أو السهم صيدا ومات حل أكله، ولو أدركه حيا ذكاه، ولا يحل بباقي آلات الصيد كالفهود والحبالة وغيرهما، نعم لو أدركه حيا ذكاه.

الثاني من أسباب التذكية: الذباحة الشرعية، ويشترط عندنا في


الصفحة 297

الذابح الاسلام أو ما بحكمه، كولده أو لقيطه، وأن يكون الذبح بالحديد مع القدرة، ومع الضرورة بكل ما يفري الأوداج، وأن يسمي ويستقبل، وأن يفري الأوداج الأربعة: المري، والودجين، والحلقوم. ويكفي في الإبل نحرها عوض الذبح، ولوتعذر ذبح الحيوان ونحره ـ كالمتردي والمستعصي ـ يجوز أخذه بالسيف ونحوه مما يقتل، فإن مات حل وإلا ذكاه.

أما ما لا نفس له فلا يحل شيء منه، إذ حيوان البحرلا يحل إلا ما كان له فلس كالسمك.


الصفحة 298

ظريفة

قال محمد بن النعمان الأحول مؤمن الطاق: دخلت على أبي حنيفة فوجدت لديه كتباً كثيرة حالت بيني وبينه، فقال لي: أترى هذه الكتب ؟ قلت: نعم، قال: كل هذه الكتب في أحكام الطلاق.

فقلت له: قد أغنانا الله سبحانه عن جميع كتبك هذه بآية واحدة في كتابه: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة)(1) .

فقال لي: هل سألت صاحبك جعفر بن محمد عن بقرة خرجت من البحر هل يحل أكلها ؟

فقلت: نعم، قال لي: كل ما له فلس فكله جملاً كان أو بقرة، وكل ما لا فلس له لا يحل أكله، وذكاة السمك عندنا موته خارج الماء(2)

____________

(1) الطلاق 65: 1.

(2) الاختصاص: 206، رجال الكشي 2: 681/781. وفيهما عن حريز بدلاً من مؤمن الطاق.


الصفحة 299

الأطعمة والاشربة والمحلّل والمحرم منهما

أنواع الحيوان ثلاثة: حيوان الأرض، حيوان الماء، حيوان الهواء. وقد عرفت أنه لا يحل من حيوان البحر إلا السمك، وبيضه تابع له.

ولا يحل من حيوان الأرض إلا الغنم الأهلية، وبقر الوحش، وكبش الجبل، والحمير، والغزلان، واليحامير.

ويحل الخيل، والبغال، والحمير على كراهة، ويحرم الجلال منها، وهو ما يتغذى بالعذرة، ويطهر بالاستبراء.

ويحرم كل ذي ناب، كالسباع، والذئاب.

وتحرم الأرانب، والثعالب، والضب، واليربوع، وأمثالها من الوحوش.

وتحرم الحشرات مطلقاً، كالخنافس، والديدان، والحيات، ونحوها.

أما حيوان الهواء ـ وهي الطيور ـ فيحرم منها سباع الطير، كالصقر والبازي ونحوهما مطلقاً.

أما ما عداها فقد جعل الشارع لما يحل أكله منها ثلاث علامات في ثلاث حالات: فإن كان طائراً في الجو فما كان رفيفه أكثر من صفيفه فهو حلال، وإلا فلا. وإن كان على الأرض فإن كان له صيصية ـ وهي ما يكون كالاصبع الزائد ـ فهو حلال، وإلا فلا. وإن كان مذبوحاً، فإن كانت له حوصلة أو قانصة فهو حلال، وإلاّ فلا.

فالخفاش والطاووس والزنابير والنحل ونحوها كلها محرمة، أما الغراب فما يأكل الجيف محرم، وما يأكل النبات حلال.

أما المحرم من المشروب والمأكول غير الحيوان فيمكن ضبطه ضمن قواعد كلية:

الصفحة 300

1 ـ كل مغصوب حرام.

2 ـ كل نجس حرام.

3 ـ كل مضر حرام.

4 ـ كل خبيث حرام.

وأعظم المحرمات من المائعات البول، وأعظم منه الخمر وأخواتها من النبيذ، والفقاع، والعصير إذا غلا، ولم يذهب ثلثاه.

ولحرمة الخمر ونجاستها عند الإمامية من الغلظه والشدة ما ليس عند فرقة من المسلمين، فقد ورد في التحذير منها عن أئمتهم سلام الله عليهم أحاديث هائلة، وزواجر دامغة، تشيب لها النواصي، ويرتجف منها أجرأ الناس على المعاصي، وتكررت منهم لعنة الله على عاصرها، وجابيها، وبائعها، وشاربها، وتعرف في شرعنا بأم الخبائث(1) .

وفي بعض أحاديث أهل البيت عليهم السلام ما يظهر منه حرمة الجلوس على مائدة وضع فيها قدح خمر(2) ، ولعل السر شدة الحذر والتحرز من أن يتطاير بخار منها يمس الطعام فيفسده، أو يدخل في جوف الآكل ذرة من جراثيمها الخبيثة وموادها الهالكة ولو بعد حين، وقد اهتدى العلم الحديث بعد الجد والجهد في تحليلها الكيماوي، وتمحيصها الطبي، إلى مضارها التي أنبأ عنها الاسلام قبل ثلاثة عشر قرناً بدون كلفة ولا عناء، فحرموا على أنفسهم ما يحرمه دينهم، وتمنعه شريعتهم، فلله شريعة الاسلام ما أشرفها، وأنبلها، وأدقها، وأجلها، وأفضلها، وأكملها، وخسرت صفقة المسلمين الذين أضاعوها فضاعوا، واستهانوا بها فهانوا، وعسى أن يحدث

____________

(1) راجع كتاب الوسائل 25: 296 (باب تحريم شرب الخمر والابواب التي بعده) فقد أورد الحر العاملي رحمه الله تعالى فيها جملة واسعة من الروايات الخاصة بهذا الباب.

(2) انظر: الكافي 6: 229/2، الفقيه 4: 41/132، التهذيب 9: 116/501.


الصفحة 301

الله بعد ذلك امراً.

هذا مجمل القول في امهات الحلال والحرام من المأكول والمشروب، وهناك بنات فروع كثيرة لا يتسع لشرحها صدر هذه الرسالة الوجيزة.

الصفحة 302

الصفحة 303

الحدود

عقوبات عاجلة على جنايات خاصة، الغرض منها حفظ نظام الاجتماع، وقطع دابر الشر عن البشر.

حد الزنا

كل بالغ عاقل وطأ امرأة لا يحل له وطؤها شرعاً، عالماً عامداً وجب على ولي الأمر أن يحذه بمائة جلدة، ثم بالرجم بالحجارة إن كان محصناً، أي عنده من الحلال ما يسد حاجته، وإن لم يكن محصناً فبالجلد وحده، ويحلق رأسه، وينفى عن البلد سنة.

ثم إن كانت هي راضية حذت أيضاً بهما إن كانت محصنة، وإلا فبالجلد وحده.

وإذا زنى باحدى محارمه النسبية أو الرضاعية، أو بامرأة أبيه، أو بمسلمة وهو ذمي، أو أكره امرأة على الزنا كان حده القتل.

ويثبت الزنا باقراره أربع مرات، أو بأربعة شهود عدول، أو ثلاثة رجال وامرأتين.

ولو شهد رجلان وأربع نسوة ثبت الجلد دون الرجم، ولا يثبت بأقل من ذلك، ولو شهد ثلاثة أو اثنان حد واحد القذف، ويشترط اتفاق شهادتهم من كل وجه، والمشاهدة عياناً.

ولو اقر بموجب الرجم ثم انكر سقط، ولو أقر ثم تاب تخير الامام، ولو تاب بعد البينة لم يسقط، ولو زنى ثالثا بعد الحدين قتل.

ولا تجلد الحامل حتى تضع، ولا المريض حتى يبرأ.


الصفحة 304

حد اللواط والسحق

لا شيء من المعاصي والكبائر أفظع حداً وأشد عقوبة من هذه الفاحشة والفعلة الخبيثة، حتى أن التعذيب بالاحراق بالنار لا يجوز بحال من الأحوال إلا في هذا المقام.

وحد اللائط أحد امور يتخير ولي الأمر فيها: القتل، أو الرجم، أو إلقاؤه من شاهق تتكسر عظامه، أو إحراقه بالنار. ويقتل المفعول به أيضاً إن كان بالغاً مختاراً، وإن كان صغيراً عزر.

ويثبت اللواط بما ثبت به الزنا، وكذا السحق، وتجلد كل من الفاعلة والمفعولة مائة جلدة، ولا يبعد الرجم مع الاحصان.

ويجلد (القواد) خمسة وسبعين جلدة، ويحلق رأسه، ويشهر، وينفى. ويثبت بشاهدين وبالاقرار مرتين.

حد القذف

يجب أن يحد المكلف إذا قذف المسلم البالغ العاقل الحر بما فيه حد ـ كالزنا واللواط أو شرب الخمر ـ بثمانين جلدة، ويسقط ذلك بالبينة المصدقة، أو يصدقه المقذوف.

ويثبت بشهادة العدلين أو الاقرار مرتين.

ولو واجهه بما يكره: كالفاسق، والفاجر، والأجذم، والأبرص، وليس فيه، كان حكمه التعزير.

ومن ادعى النبوة، أو سب النبي صلى الله عليه وآله، أو أحد الأئمة